خليل الصفدي
254
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
الفقهاء إلى أن أسكن في مكان فاشتغلت ذلك النهار وأدركني المساء فأخفيت نفسي في أتّون طبّاخ ونمت فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو واقف عليّ فقال لي : يا أحمد لم لا تذهب إلى المدرسة وتشتغل ؟ فقلت : يا رسول اللّه إنّه لا يأتي منّي شيء وقد اجتهدت فلم أفلح ، فقال لي : بلى قم واذهب إلى المدرسة ، قال فأعدت عليه الكلام ثانيا فقال لي : افتح [ فاك ] ، قال ففتحته فتفل فيه ثم قال لي : اذهب ، فقلت : يا رسول اللّه إنّي أخاف من الشيخ ومن قصور فهمي وقلّة حفظي ومعرفتي ، فقال لي : افتح فاك ، ففتحته مرة ثانية فتفل فيه مرة ثانية ، ثم انتبهت وقت السحر وأتيت المدرسة ووقفت أكرّر على المدرّس فإذا هو محفوظ لي ، وخرج الشيخ فرآني فقال لي : هل حفظت شيئا ؟ قلت : نعم ، وأعدت عليه الدروس كلّها حفظا جيّدا من غير تتعتع ولا توقّف فقال لي : أحسنت بارك اللّه فيك مثلك من يصلح لصحبتنا ، وأقمت عنده مستقيم الفهم سريع الإدراك كثير الحفظ . وكان من عادة الشيخ أن يصلّي الجمعة عند الإمام عبد الرحمن الأكّاف الزاهد ويكون الفقهاء في خدمته . وتجارى الفقهاء في مسألة خلاف فتكلّم الشيخ عبد الرحمن وسكت الجماعة إعظاما وأنا لصغر سنّي وحدّة ذهني أعترض عليه وأنازعه « 1 » والفقهاء يشيرون إليّ بالإمساك وأنا لا ألتفت إليهم فقال لهم الشيخ عبد الرحمن : دعوه فإن هذا الكلام الذي يقوله ليس منه إنّما هو من الذي علّمه ، قال : ولم تعلم الجماعة ما أراد وفهمت « 2 » وعلمت أنّه مكاشف . ولمّا ولّي [ تدريس ] النظامية كان في الحمّام فمضى إلى دار الوزارة فخلع عليه ورتّب مدرّسا فلما استقرّ على كرسيّ التدريس وقرئت الرّبعة ودعي دعاء الختمة فقبل ما شرع في إلقاء الدرس التفت إلى الجماعة وقال لهم : [ من أيّ كتب التفسير تحبّون أن أذكر ؟ فعيّنوا كتابا
--> ( 1 ) في الأصل : وراجعه ، والتصحيح من السبكي . ( 2 ) في الأصل : وفهمها .